في الوقت الذي يعيش فيه السوريون واقعاً كارثياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث تآكلت القدرة الشرائية لدرجة كبيرة بفعل الغلاء الفاحش، وتفتقر المشافي لأبسط المستلزمات الطبية، وما زال الكثير من السوريين يعيشون في المخيمات، تخرج علينا وزارة الأوقاف بتصريحات تعكس انفصالاً تاماً عن الواقع، وتضع "بناء المساجد" و"التعليم الشرعي" في صدارة قائمة الأولويات الوطنية.
أولويات مقلوبة في زمن الأزمة
إن تصريحات وزير الأوقاف حول الحاجة إلى المزيد من المساجد بحجة "نقصها مقارنة بدول الجوار" تثير تساؤلات جوهرية حول ترتيب سلم الأولويات في الدولة السورية. فالمقارنة مع دول أخرى (مثل تركيا أو الأردن) لا يمكن أن تكون عادلة أو منطقية في ظل بلد دمره الصراع، ويفتقر فيه المواطن إلى الرغيف والوقود والدواء.
"أين المدارس والمشافي؟"
إن المطالبة ببناء 1500 جامع جديد بينما تعاني المدارس الحكومية من الاكتظاظ الشديد ونقص الكوادر، وتواجه المشافي انهياراً في بنيتها التحتية ونقصاً في الأدوية المنقذة للحياة، يعد استخفافاً بمعاناة الناس اليومية.
"اللغة الرقمية المضللة"
الحديث عن 17 ألف جامع لـ 25 مليون نسمة يعني توفر بنية تحتية دينية ضخمة، وهي كافية جداً لاستيعاب المصلين، خاصة وأن الأولوية في الظروف الراهنة يجب أن تكون لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية التي تضمن حق الإنسان في الحياة والتعليم والصحة.
المفارقة الصارخة:
رواتب بـ 300 دولار للأوقاف مقابل "العدم" للآخرين
أكثر ما يثير الاستغراب والأسى في هذه التصريحات هو الإعلان عن رفع رواتب أساتذة التعليم الشرعي بنسبة 1500% لتصل إلى 300 دولار.
"التمييز في المعيشة"
بينما يتقاضى الطبيب والممرض والمعلم في القطاعات الحيوية رواتب زهيدة لا تكفي لسد رمق أسرهم لأيام قليلة، وتجبرهم على الهجرة أو العمل في مهن شاقة لتأمين قوت يومهم، تخصص الدولة مبالغ طائلة لقطاع الأوقاف.
"الرسالة الضمنية"
هذا التوجه يرسل رسالة محبطة للمواطن السوري الذي يرى أن الدولة لديها "وفرة مالية" لدعم قطاعات معينة على حساب القطاعات التي تلامس حياته اليومية ومعيشته، مما يعزز الشعور بالظلم وعدم المساواة.
التعليم الشرعي vs التعليم التنموي
إن التوسع في إنشاء 170 ثانوية شرعية خلال عام واحد يطرح تساؤلاً كبيراً حول جدوى هذه الخطوة في مرحلة ما بعد الحرب. إن ما تحتاجه سوريا اليوم هو "ثورة علمية وتنموية" لإعادة إعمار العقول والبلاد، التركيز على التعليم التقني، الهندسي، والطبي، بدلاً من التوسع في التعليم التقليدي الذي لا يقدم حلولاً للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تنهش جسد المجتمع.
الشعب يحتاج "الخبز" و"الكرامة" لا "المزيد من بناء المساجد"
إن محاولة الوزارة تبرير هذه المشاريع بمقارنات خارجية هي محاولة للهروب من استحقاقات المرحلة. إن الشعب السوري الذي يفتقر إلى أبسط مقومات البقاء ليس بحاجة إلى جدران إضافية للمساجد، بل بحاجة إلى:
1. ** مشافي قادرة على تقديم الخدمة:** لإنقاذ أرواح المرضى والمصابين.
2. **مدارس مؤهلة:** لضمان مستقبل جيل كامل لا يضيع في دهاليز الأمية.
3. **سياسات اقتصادية عادلة:** ترفع الغلاء الفاحش عن كاهل الفقراء والمشردين.
إن بناء إنسان سوري قادر على مواجهة تحديات العصر يبدأ بتوفير الكرامة والخبز والأمان، أما المساجد فهي موجودة، والقلوب التي تعمرها لا تحتاج إلى "خطة إعمار" بقدر ما تحتاج إلى قيادة تشعر بوجع الناس وتضع مصلحتهم فوق أي أجندة أخرى.
#سوريا #تطرف
——————————
ماورو Mauro
ماورو ويب Mauro web
شبكة ماورو الإعلامية

































